ابراهيم بن عمر البقاعي

611

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وَيَهْدِي إِلَيْهِ بالتوفيق للطاعة مَنْ يُنِيبُ * أي فيه أهلية لأن يجدد الرجوع إلى مراتب طاعاته كل حين بباطنه بعد الرجوع بظاهر إلى ما كتبه له من الدرجات كأنه كان الوصول إليها قد نزل عنها وهو بترقيه في المنازلات بأحوال الطاعات يرجع إليها . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 14 إلى 16 ] وَما تَفَرَّقُوا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ( 14 ) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ ( 15 ) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ( 16 ) ولما كان المراد بالمشركين مع عباد الأوثان أهل الكتاب الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه لقبولهم منهم التحليل والتحريم ، وكان ذلك مفهما لأنهم فارقوا أهل الطاعة ، وكان ذلك موهما لأنهم ما فارقوهم إلا عن جهل ، قال عاطفا على ما تقديره : فأتى الرسل إلى الناس فأقاموا لهم الدين وبينوا لهم غاية التبيين فاجتبى اللّه بعضهم وأضل بعضهم فافترقوا : وَما تَفَرَّقُوا أي المشركون من قبلكم من أهل الكتاب وغيرهم في أديانهم إِلَّا وأدخل الجار لعدم استغراق الزمان فقال : مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ أي على ألسنة أنبيائهم الذين لم يدعوا لبسا الْعِلْمُ أي بما لا يسوغ معه التفرق ومنه أن الفرقة ضلالة ، وأشار الجار أيضا إلى أن التفرق كان مع العلم لم يكن طال الزمان فتطرق إلى علمهم نسيان كل ذلك بيانا لعظيم قدرة اللّه تعالى في تصرفه في القلوب ، فإياكم أن يكون حالكم كحالهم فليشتد خوفكم لربكم ورجاءكم له . ولما كان ترك طريق العلم عجبا ومستبعدا ، قال مبينا أن الذي حملهم على ذلك حظوظ الأنفس التي لا نجاة منها إلا بعصمة اللّه تعالى : بَغْياً أي حال كون تفرقهم عداوة ولا شبهة فيها هي بينة الظلم لأجل حظوظ الأنفس واتباع الأهواء التي يجب على العبد البعد عنها بأن لا تكون له إرادة أصلا بل تكون إرادته تابعة لأمر مولاه . ولما كان مطلق البغي منافيا لمكارم الأخلاق ، فكان ارتكابه عجبا ، زاد في التعجب منه ببيان أن البغي لم يعد جماعتهم إلى غيرها ، بل كان خاصا بها ، فقال : بَيْنَهُمْ . ولما كان ذلك يقتضي المعالجة ، قال عاطفا على ما تقديره : فلو لا قدرة اللّه ولطفه لما اجتمعوا بعد الفرقة أبدا : وَلَوْ لا كَلِمَةٌ أي لا تبديل لها سَبَقَتْ أي في الأزل